"تاريخ اليابان من النشأة إلى نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية مع د. عبدالعزيز تركستاني في مخيال (الجزء الأول)"
تاريخ اليابان من الجذور القديمة إلى الحرب العالمية الثانية
نشأة اليابان وتطور المجتمع الياباني وصولًا إلى الدولة الحديثة
في هذه الحلقة من برنامج «مخيال»، يصحبنا د. عبدالعزيز تركستاني، سفير المملكة العربية السعودية السابق لدى اليابان، في رحلة عبر تاريخ اليابان، من المراحل الأولى لتشكل المجتمع الياباني حتى صعود البلاد كواحدة من أبرز القوى الاقتصادية والصناعية في العالم الحديث.
يبدأ تاريخ اليابان قبل ظهور الدولة بالشكل الذي نعرفه اليوم بآلاف السنين. فقد عاشت الجزر اليابانية مراحل حضارية مبكرة ارتبطت بثقافة جومون، التي امتدت لآلاف السنوات واشتهرت باستخدام الفخار واعتماد المجتمعات على الصيد وجمع الغذاء. ثم ظهرت ثقافة يايوي التي ارتبطت بانتشار زراعة الأرز واستخدام المعادن وتطور أشكال التنظيم الاجتماعي.
ومع مرور القرون بدأت تتشكل كيانات سياسية أكثر تنظيمًا، حتى ظهرت سلطة مركزية مرتبطة بالبلاط الإمبراطوري. وتأثرت اليابان بصورة كبيرة بالصين وكوريا، سواء في الكتابة أو الإدارة أو الفلسفات والأديان، إلا أنها لم تكتفِ بنقل تلك التأثيرات، بل أعادت تشكيلها بما يتوافق مع ثقافتها وظروفها المحلية.
وتعاقبت على اليابان أنظمة حكم ومراحل تاريخية مختلفة، من بينها صعود طبقة الساموراي ونظام الشوغونية، الذي منح القادة العسكريين نفوذًا واسعًا في إدارة الدولة. وظل هذا النظام مؤثرًا لقرون، حتى جاءت واحدة من أهم نقاط التحول في التاريخ الياباني، وهي إصلاحات ميجي عام 1868.
أدت إصلاحات ميجي إلى إعادة السلطة رسميًا إلى الإمبراطور وبدء برنامج واسع لتحديث الدولة. اتجهت اليابان إلى تطوير التعليم والجيش والبنية التحتية والصناعة، كما درست تجارب الدول الغربية وأرسلت بعثات إلى الخارج بهدف الاستفادة من أنظمتها ومؤسساتها.
وخلال عقود قليلة تمكنت اليابان من بناء قاعدة صناعية وعسكرية قوية مقارنة بوضعها السابق، وأصبحت لاعبًا رئيسيًا في شرق آسيا. ولم يكن التحديث مجرد استيراد للتكنولوجيا، بل شمل إعادة تنظيم الإدارة والتعليم والاقتصاد والقوات المسلحة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين دخلت اليابان في سلسلة من الحروب والصراعات الإقليمية، من بينها الحرب الصينية اليابانية الأولى ثم الحرب الروسية اليابانية. وأسهم انتصار اليابان على روسيا في 1905 في تعزيز مكانتها الدولية، لكنه تزامن أيضًا مع توسع نفوذها في آسيا.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 دخلت اليابان الحرب إلى جانب دول الحلفاء، وهاجمت الممتلكات الألمانية في شرق آسيا والمحيط الهادئ. واستولت القوات اليابانية على مواقع ألمانية، من بينها منطقة تشينغداو في الصين، كما توسعت مطالب اليابان السياسية والاقتصادية تجاه الصين خلال سنوات الحرب. وتظهر الوثائق الدبلوماسية الأمريكية أن اليابان قدمت للصين عام 1915 مجموعة عرفت باسم المطالب الواحد والعشرين، والتي أثارت نزاعًا دبلوماسيًا واسعًا بسبب ما تضمنته من امتيازات ونفوذ ياباني داخل الأراضي الصينية.
وهكذا خرجت اليابان من الحرب العالمية الأولى وهي تتمتع بمكانة دولية أكبر، لكن العقود التالية شهدت نموًا متزايدًا لدور المؤسسة العسكرية واتساع سياسة التوسع الخارجي، وهو ما مهد في النهاية لمواجهة أكبر خلال الحرب العالمية الثانية.
الحرب العالمية الثانية وهيروشيما ونجازاكي ونهاية الإمبراطورية العسكرية
تمثل الحرب العالمية الثانية أكثر الفترات قسوة في تاريخ اليابان الحديث. فخلال الثلاثينيات والأربعينيات توسعت العمليات العسكرية اليابانية في آسيا، ودخلت البلاد في صراع شامل مع عدد من القوى الدولية.
وفي ديسمبر 1941 أدى الهجوم الياباني على بيرل هاربور إلى دخول الولايات المتحدة الحرب بصورة مباشرة ضد اليابان. وتحولت منطقة المحيط الهادئ إلى مسرح لحرب واسعة استمرت حتى عام 1945، وشاركت فيها جيوش وأساطيل ضخمة.
ومع اقتراب الحرب من نهايتها أصبحت المدن اليابانية تتعرض لقصف شديد، بينما كانت الحكومة اليابانية تواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة.
وفي 6 أغسطس 1945 ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما. وبعد ثلاثة أيام، في 9 أغسطس 1945، أُلقيت قنبلة ذرية ثانية على نجازاكي. وتؤكد وزارة الطاقة الأمريكية أن القصفين تسببا في دمار واسع ومعاناة وخسائر بشرية هائلة، إضافة إلى آثار صحية طويلة الأمد على عدد كبير من الناجين.
وبعد أيام أعلنت اليابان قبول الاستسلام، لتنتهي الحرب في المحيط الهادئ وتبدأ مرحلة جديدة مختلفة جذريًا في تاريخ البلاد.
لم تكن آثار الحرب محدودة في الدمار المادي فقط. فقد كانت مدن كثيرة قد تعرضت للقصف، وتراجع الإنتاج الصناعي، وواجه السكان نقصًا في الغذاء والسكن والموارد الأساسية. كما انتهى النظام العسكري الذي ارتبط بالتوسع الخارجي، وبدأت البلاد إعادة بناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية.
وخلال فترة الاحتلال التي أعقبت الحرب، شهدت اليابان إصلاحات سياسية واجتماعية واسعة، وصدر دستور جديد دخل حيز التنفيذ عام 1947.
ومن أبرز ما تضمنه المادة التاسعة التي أكدت تخلي اليابان عن الحرب كوسيلة لحل النزاعات الدولية وفرضت قيودًا كبيرة على امتلاك القوة العسكرية لأغراض الحرب.
ولهذا فإن وصف التحول الياباني بعد 1945 بأنه مجرد تغيير اقتصادي لا يعكس كامل الصورة. فالبلاد أعادت صياغة دورها السياسي والأمني، وانتقلت من مشروع توسع عسكري في آسيا إلى التركيز بدرجة كبيرة على التنمية الداخلية والتحالفات الدولية والتجارة.
لاحقًا تأسست قوات الدفاع الذاتي اليابانية، لكن الإطار الدستوري والسياسي ظل مختلفًا بصورة كبيرة عن النظام العسكري الذي كان قائمًا قبل نهاية الحرب العالمية الثانية.
النهضة اليابانية بعد الحرب وفلسفة الجودة والإتقان
كيف أعادت اليابان بناء اقتصادها وتحولت إلى قوة صناعية عالمية؟
بعد عام 1945 واجهت اليابان تحديًا هائلًا: كيف يمكن إعادة بناء دولة خرجت من الحرب بخسائر بشرية ومادية واقتصادية ضخمة؟
بدأت الإجابة من مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم من إعادة بناء الصناعة والتعليم والبنية التحتية. ومع مرور السنوات بدأت الشركات اليابانية تستعيد قدراتها الإنتاجية، وأصبح التركيز على التصدير والتكنولوجيا والصناعة أحد المحركات الرئيسية للنمو.
وخلال الخمسينيات والستينيات حقق الاقتصاد الياباني معدلات نمو مرتفعة، وظهرت صناعات قادرة على المنافسة عالميًا، مثل السيارات والإلكترونيات والآلات والصناعات الهندسية.
ولم تعتمد التجربة اليابانية على عنصر واحد. فقد اجتمعت عدة عوامل، منها ارتفاع مستوى التعليم، والاستثمار الصناعي، وتحسين الإدارة، والتعاون بين المؤسسات الاقتصادية، والتركيز على تطوير المنتجات بصورة مستمرة.
كما لعبت الشركات اليابانية دورًا مركزيًا في بناء سمعة جديدة للمنتج الياباني. فبعد أن كانت الجودة تمثل تحديًا حقيقيًا للصناعة اليابانية بعد الحرب، تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أهم نقاط القوة.
وتوضح الاتحاد الياباني للعلماء والمهندسين JUSE أن تحسين الجودة أصبح محورًا رئيسيًا للصناعة اليابانية في مرحلة ما بعد الحرب. وفي عام 1950 دُعي الخبير الأمريكي ويليام إدواردز ديمنغ إلى اليابان لإلقاء محاضرات حول أساليب التحكم الإحصائي في الجودة أمام المهندسين والمديرين والباحثين. وقد ساعدت هذه البرامج في توسيع الاهتمام بأساليب الإدارة والجودة داخل الشركات اليابانية.
وفي عام 1951 أُنشئت جائزة ديمنغ لتشجيع المؤسسات والأفراد على تطوير تطبيقات الجودة، وأصبحت لاحقًا واحدة من أبرز الجوائز المرتبطة بإدارة الجودة في اليابان والعالم.
لكن اليابانيين لم يكتفوا بتطبيق أفكار مستوردة بصورة حرفية، بل طوروا نماذج خاصة بهم، وربطوا الجودة بالعمل اليومي ومشاركة العاملين والتحسين المستمر.
ومن هنا ظهر بقوة مفهوم Kaizen – كايزن، أي التحسين المستمر من خلال تغييرات صغيرة ومتتابعة بدل الاعتماد فقط على القفزات الضخمة. كما برزت فكرة الاهتمام بمكان العمل الفعلي وملاحظة المشكلات من مصدرها، وإشراك الموظفين في تطوير العمليات.
وتشير مصادر JUSE إلى أن النهج الياباني في إدارة الجودة تطور ليشمل مشاركة جميع العاملين، والعمل الجماعي الصغير، والتركيز على موقع العمل الفعلي، ثم انتقل من مجرد مراقبة جودة التصنيع إلى مفهوم أوسع هو إدارة الجودة الشاملة TQM.
وأصبحت هذه الثقافة واحدة من العوامل التي ساعدت الشركات اليابانية على بناء سمعة قوية في الأسواق العالمية، خصوصًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
فلسفة الجودة اليابانية وما الذي يمكن للعالم العربي الاستفادة منه؟
يخصص د. عبدالعزيز تركستاني جانبًا مهمًا من حديثه في برنامج «مخيال» لمفهوم الجودة والإتقان في اليابان، وهي نقطة تساعد على فهم أن النهضة اليابانية لم تعتمد فقط على المصانع أو التكنولوجيا، بل ارتبطت أيضًا بثقافة عمل ونظم إدارية متراكمة عبر سنوات طويلة.
أحد أهم المبادئ التي برزت في التجربة اليابانية هو أن الجودة ليست مسؤولية قسم منفصل داخل المؤسسة، وإنما مسؤولية تمتد إلى العامل والمدير والمهندس والمورد والإدارة العليا.
ولهذا تطورت في اليابان ما يعرف بـ دوائر الجودة QC Circles، وهي مجموعات صغيرة من العاملين تجتمع لدراسة المشكلات الموجودة في بيئة العمل واقتراح حلول عملية لها. وتشير JUSE إلى أن هذه الحركة توسعت منذ ستينيات القرن العشرين وأصبحت جزءًا من منظومة أوسع لإدارة الجودة داخل المؤسسات اليابانية.
ويقوم هذا التفكير على مبدأ بسيط لكنه عميق: لا ينبغي انتظار وقوع الخطأ ثم إصلاحه فقط، بل يجب دراسة العملية نفسها لمعرفة سبب الخطأ ومنع تكراره.
كما تركز الفلسفة اليابانية على الاستمرارية. فالتحسين لا ينتهي عندما يصل المنتج إلى مستوى جيد، بل تبدأ دورة جديدة للبحث عن طريقة أسرع أو أدق أو أقل تكلفة أو أكثر راحة للمستخدم.
وهذا يفسر كيف استطاعت شركات يابانية عديدة أن تنتقل خلال عقود قليلة من محاولة اللحاق بالشركات الصناعية الكبرى إلى منافستها في أسواق السيارات والإلكترونيات والآلات والتقنيات المتقدمة.
وبالنسبة إلى العالم العربي والإسلامي، فإن الاستفادة من التجربة اليابانية لا تعني نسخ النموذج الياباني كما هو، لأن لكل مجتمع ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة. لكن توجد مبادئ يمكن تطبيقها في بيئات متعددة، مثل الاستثمار الحقيقي في التعليم والتدريب، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وتعزيز ثقافة الجودة، واحترام الوقت، وقياس الأداء، وتشجيع التحسين المستمر داخل المؤسسات.
كذلك توضح التجربة اليابانية أهمية بناء أنظمة تستمر بغض النظر عن الأشخاص. فعندما تتحول الجودة إلى إجراءات واضحة ومعايير وعمليات مراجعة وتدريب مستمر، تصبح المؤسسة أقل اعتمادًا على الاجتهاد الفردي وأكثر قدرة على الحفاظ على المستوى نفسه مع مرور الوقت.
ومن الدروس المهمة أيضًا أن الإتقان لا يعني بالضرورة زيادة التكلفة. فالعمل المنظم وتقليل الأخطاء والهدر وإعادة التصنيع يمكن أن يؤدي في النهاية إلى منتجات أفضل وتكلفة أقل وقدرة أكبر على المنافسة.
لهذا يقدم لقاء د. عبدالعزيز تركستاني في برنامج مخيال تاريخ اليابان ليس فقط باعتباره سلسلة من الحروب والتحولات السياسية، ولكن باعتباره أيضًا تجربة في إعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد بعد واحدة من أقسى الهزائم في التاريخ الحديث.
ومن تاريخ اليابان القديم إلى إصلاحات ميجي، ثم الحربين العالميتين، وهيروشيما ونجازاكي، وصولًا إلى النهضة الاقتصادية اليابانية وفلسفة الجودة والكايزن، تكشف التجربة اليابانية كيف يمكن للتعليم والتنظيم والجودة والاستثمار طويل الأجل في الإنسان والمؤسسات أن تلعب دورًا محوريًا في تحول الدول.